وهبة الزحيلي

331

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ ، وَفَواكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ سجع مرصع ، وهو توافق الفواصل في الحرف الأخير . المفردات اللغوية : إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ أي إن المؤمنين المتقين من الشرك ، الذين هم في مقابلة المكذبين ، هم في ظلال وارفة تحت أشجار متكاثفة في الجنة ؛ إذ لا شمس يظل من حرها ، وعيون - أي أنهار - نابعة بالماء ، ويتمتعون بفواكه مما يشتهون ، فهم مستقرون في أنواع الترفّه . وفيه دلالة على أن نعم الجنة بحسب الرغبة والميل ، بخلاف الدنيا تكون بحسب ما يجد الناس في الأغلب . والفرق بين الظل والفيء : أن الظل أعم من الفيء ، فيقال : ظل الليل وظل الجنة وظل الجدار ، أما الفيء : فهو ما زالت عنه الشمس . كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً أي متهنئين ، أي يقال لهم ذلك . بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ من الطاعة . إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ أي كما جزينا المتقين نجزي المحسنين . كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا ، إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ أي يقال للكفار في الدنيا تهديدا لهم : كلوا ما شئتم في الدنيا ، وتمتعوا بنعيمها مدة قليلة من الزمان يعقبها الموت ، ثم تنالون عقابكم وننتقم منكم على كفركم وتكذيبكم لرسلنا ، فإنكم مشركون باللّه ، لا تستحقون الإنعام والتكريم . وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ حيث عرّضوا أنفسهم للعذاب الدائم بالتمتع القليل . ارْكَعُوا صلوا . لا يَرْكَعُونَ لا يصلون ، واستدل به على أن الأمر للإيجاب ، وأن الكفار مخاطبون بالفروع . فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ أي بأي كلام يصدقون إذا لم يصدقوا بهذا القرآن ؟ فهو معجز في ذاته ، مشتمل على الحجج الواضحة والمعاني الكريمة ، ولا يمكن إيمانهم بعدئذ بغيره من كتب اللّه ، بعد تكذيبهم به . سبب النزول : نزول الآية ( 48 ) : ارْكَعُوا . . : أخرج ابن المنذر عن مجاهد في قوله : وَإِذا قِيلَ لَهُمُ : ارْكَعُوا ، لا يَرْكَعُونَ قال : نزلت في ثقيف ، امتنعوا من الصلاة ، فنزل ذلك فيهم . وقال مقاتل : قال لهم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « أسلموا » وأمرهم بالصلاة ، فقالوا : لا ننحني فإنها مسبّة علينا ، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا خير في دين ليس فيه ركوع ولا سجود » .